وهبة الزحيلي

280

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

فهذا عيسى الذي ظهرت المعجزات على يديه بإذن اللّه ، لا يستطيع تجاوز ما أجرى اللّه على يديه من خوارق العادات ، ولا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ، وإذا أقررتم أن عيسى كان جنينا في بطن أمه ، وكان في حال من الأحوال لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم ولا يضر ، فكيف اتخذتموه إلها ؟ ومن كان يدبر الكون قبل ولادته ، ومن الذي يدبره بعد وفاته ؟ فالحق يا أهل الكتاب أن تلتزموا الاعتدال ، ولا تتبعوا الأهواء والعصبيات والتقليد الأعمى الموروث ، ولا تنخدعوا بآراء شيوخ الفتنة والضلال وأصحاب المصالح المادية . وإن تقصير علماء بني إسرائيل في واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أدى بهم إلى إنزال اللعنة الإلهية بهم في التوراة والإنجيل والزبور والقرآن ، فهل هناك أشد عقابا من ذلك ؟ وليحذر المسلمون من تقليد من استحق اللعنة والطرد من رحمة اللّه . قال ابن عطية : والإجماع منعقد على أن النهي عن المنكر فرض لمن أطاقه ، وأمن الضرر على نفسه وعلى المسلمين ؛ فإن خاف فينكر بقلبه ، ويهجر ذا المنكر ولا يخالطه . وقال العلماء : ليس من شرط الناهي أن يكون سليما عن معصية ، بل ينهى العصاة بعضهم بعضا . واقتضى قوله تعالى : كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ اشتراكهم في الفعل ، وذمهم على ترك التناهي ، ودلت الآية على النهي عن مجالسة المجرمين والأمر بتركهم وهجرانهم . وأكد ذلك بقوله تعالى في الإنكار على اليهود : تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني المشركين الذين ليسوا على دينهم ، فلبئس ما سولت لهم أنفسهم وزينت .